الحلبي

324

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أخبر بأنه لا يؤمن منهم إلا من آمن معه وهم أهل السفينة وكانوا ثمانين : أربعين رجلا ، وأربعين امرأة . وفي عوارف المعارف : أصحاب السفينة ، كانوا أربعمائة . وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة ، دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم ، فكان الطوفان الذي كان به هلاك جميع أهل الأرض إلا من آمن ، ولو لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له في عبادة الأصنام ، لقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ [ الإسراء : الآية 15 ] أي حتى في الدنيا حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : الآية 15 ] . وقد ثبت أن نوحا أول الرسل : أي لمن يعبد الأصنام ، لأن عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه وأرسله اللّه إليهم ينهاهم عن ذلك ، وحينئذ لا يخالف كون أول الرسل آدم أرسله اللّه تعالى إلى أولاده بالإيمان باللّه تعالى وتعليم شرائعه . وذكر بعضهم أنه كان مرسلا لزوجته حواء في الجنة ، لأن اللّه تعالى أمره أن يأمرها وينهاها في ضمن أخباره بأمره ونهيه ، بقوله تعالى : يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [ البقرة : الآية 35 ] وذلك عين الإرسال كما ادعاه بعضهم . فعلم أن عموم رسالة نوح عليه الصلاة والسلام لجميع أهل الأرض في زمنه لا يساوي عموم رسالة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، لما علمت أن رسالته عامة حتى لمن يوجد بعد زمنه ، وحينئذ يسقط السؤال وهو لم يبق بعد الطوفان إلا مؤمن ، فصارت رسالة نوح عليه الصلاة والسلام عامة . ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذي حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثته بل طرأ بعد الطوفان ، بخلاف رسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قيل كان بين الدعوة والطوفان مائة عام ، وقد حققنا فيما سبق أن آدم ومن بعده دعا إلى الإيمان باللّه تعالى وعدم الإشراك به ، إلا أن الإشراك به وعبادة الأصنام اتفق أنه لم يقع إلا زمن نوح ومن بعده . وأما قول اليهود أو بعضهم وهم العيسوية طائفة من اليهود أتباع عيسى الأصفهاني : إنه صلى اللّه عليه وسلم إنما بعث للعرب خاصة دون بني إسرائيل ، وإنه صادق ففاسد ، لأنهم إذا سلموا أنه رسول اللّه ، وأنه صادق لا يكذب لزمهم التناقض ، لأنه ثبت بالتواتر عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه رسول اللّه لكل الناس . أقول : قال بعضهم : ولا ينافيه قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : الآية 4 ] لأنه لا يدل على اقتصار رسالته عليهم ، بل على كونه متكلما بلغتهم ليفهموا عنه أولا ، ثم يبلغ الشاهد الغائب ، ويحصل الإفهام لغير أهل تلك اللغة من الأعاجم بالتراجم الذين أرسل إليهم ، فهو صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى الكافة وإن كان هو وكتابه عربيين كما كان موسى وعيسى عليها الصلاة والسلام مبعوثين لبني إسرائيل بكتابيهما